الشيخ محمد هادي معرفة

187

تلخيص التمهيد

لكن عثمان عمد إلى سورة الأنفال فجعلها هي وسورة براءة سابعة السبع الطوال ، زعمهما سورة واحدة وأخَّر سورة يونس إلى سورة المئين . الأمر الَّذي أثار ابن عبّاس « 1 » ليعترض على عثمان ، قائلًا : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني « 2 » ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم اللَّه الرحمان الرحيم « 3 » . ووضعتموهما في السبع الطوال ؟ ! قال عثمان : « كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله تنزل عليه السُّورة ذات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشَّيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السُّورة الَّتي يذكر فيها كذا وكذا . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا . وكانت قصّتها شبيهة بقصَّتها ، فظننت أنَّها منها ، فقبض رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يبيِّن لنا أنَّها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر بسم اللَّه الرحمان الرحيم ، ووضعتهما في السَّبع الطوال » قال الحاكم : « والحديث صحيح على شرط الشيخين » « 4 » . وهذا يدلّ على اجتهاد الصحابة في ترتيب المصحف . فكان عثمان يعرف أنَّ آيات من سور ربَّما كان يتأخّر نزولها ، فيأمر النبي صلى الله عليه وآله أن توضع موضعها من السورة المتقدِّمة . فزعم عثمان أنَّ سورة براءة هي من تتمَّة سورة الأنفال « 5 » لتشابه ما بينهما في السياق العامّ : تعنيف بمناوئي الإسلام من كافرين ومنافقين ، وتحريض بالمؤمنين على الثبات والكفاح لتثبيت كلمة اللَّه في الأرض . وحيث لم يرد نقل بشأنهما فقرن بينهما وجعلهما سورة واحدة هي

--> ( 1 ) سبق أنَّ عضويَّته في لجنة توحيد المصاحف كانت متأخّرة . ( 2 ) لعلّه ينظر إلى مصحف ابن مسعود الَّذي جعلها من المثاني . أمّا في مصحف أبي بن كعب فهي من المئين . ( 3 ) أيضاً ينظر إلى مصحف ابن مسعود الَّذي أثبت فيه البسملة لسورة براءة . ( 4 ) مستدرك الحاكم : ج 2 ص 221 و 330 . ( 5 ) وهكذا روى العيّاشي ( ج 1 ص 73 ) بسنده عن أحدهما عليهما السلام قال : الأنفال وسورة براءة واحدة . وهناك اختلاف بين العلماء في أنّهما سورة واحدة أم اثنتان ؟ ( راجع مجمع البيان : ج 5 ص 2 ) . وربّما كان يرجّح القول بأنّهما سورة واحدة ما ورد : إنّما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم اللَّه الرحمان الرحيم ابتداءً للُاخرى . ( العيّاشي : ج 1 ص 19 ) .